أمل الحربي
“ليست الحقيقة دائمًا صاخبة… أحيانًا تمرّ هادئة، لا يلتفت لها إلا من اعتاد أن يُنصت جيدًا.”
بهذا المعنى، بدأت علاقتي مع الكلمة، لا كحروف تُكتب، بل كمسؤولية تُحمل. وحين أتأمل اليوم دور الصحافة، لا أراها مجرد مهنة تنقل الخبر، بل قوة خفية تعيد تشكيل الوعي، وتمنح الأشياء معناها، أو تسلبها إياه.
بدأت تجربتي المتواضعة مع الصحافة حين نُشر أول تحقيق صحفي لي في مجلة زوايا التربوية عام 1429هـ، بعنوان: «حقوقنا من الاحترام المفقود… أين نجدها؟». لم يكن ذلك مجرد نشر عابر، بل لحظة وعي حقيقية أدركت فيها أن الكلمة حين تخرج للناس، لم تعد ملكًا لك… بل تصبح أثرًا فيهم.
كانت سعادتي آنذاك كبيرة، لكنها كانت بداية الطريق، لا نهايته. ومن بعدها، توالت كتاباتي ما بين المقال والتحقيق الصحفي في الصحف والمجلات، باحثة عن فكرة تستحق أن تُقال، وعن معنى يستحق أن يصل.
واليوم، ومن موقعي كقائدة تربوية، أجد أن المسافة بين التعليم والصحافة قصيرة جدًا… كلاهما يصنع الإنسان، وكلاهما يُعيد تشكيل وعيه. في المدرسة، نغرس التفكير، وفي الصحافة، يُختبر هذا التفكير أمام ما يُنشر ويُتداول.
لقد رأيت كيف يمكن لخبر أن يزرع قلقًا، أو يبعث طمأنينة، كيف يمكن لكلمة أن تُربك فهمًا، أو تبني إدراكًا. وهنا تتضح الحقيقة: ليست كل معلومة تُنشر تستحق أن تُصدق، وليست كل سرعة في النشر تُحسب إنجازًا.
في زمنٍ أصبح فيه النشر متاحًا للجميع، لم تعد القيمة في السبق، بل في الصدق. وهنا فقط تتمايز الصحافة الحقيقية؛ تلك التي تختار التحقق، وتؤمن أن الأثر أهم من الانتشار.
إن اليوم العالمي للصحافة ليس مجرد احتفاء، بل تذكير صريح بأن الكلمة أمانة، وأن كل ما يُكتب يُسهم—بشكل أو بآخر—في تشكيل وعي مجتمع كامل.
في النهاية، لا تُقاس قوة الصحافة بعدد ما تنشره، بل بقدرتها على أن تجعلنا نفهم… لا أن ننجرف.
Alhiyatamal@
