منى الصبي
التقدير لا عمر له؛ فمهما كبر الإنسان، يبقى بحاجة إلى من يقدّر جهده ويشعره بأن ما يقدمه له قيمة، ولو كان بسيطًا.
فعندما تهدي شخصًا وردة، ثم يبتسم ويقول لك: “شكرًا”، قد تطير فرحًا، وتشعر وكأنك حققت إنجازًا كبيرًا، وقد يدفعك هذا الشعور إلى تكرار السلوك الجميل ومواصلته. وفي المقابل، عندما لا تجد رد فعل أو تقديرًا لما قدمته، قد تشعر بالحزن، ويتراجع لديك الإحساس بقيمة ما فعلت، حتى وإن كنت واثقًا من أن ما قدمته كان جيدًا.
هذه المشاعر الإنسانية البسيطة لا تتوقف عند العلاقات الاجتماعية، بل ترافق الإنسان إلى بيئة العمل أيضًا. فالموظف الطموح والمجتهد، الذي يقضي ساعات طويلة، ويتحمل ضغوط العمل، ويبادر إلى تقديم ما يتجاوز الحد الأدنى المطلوب منه، لا يبحث بالضرورة عن مديح دائم، لكنه يحتاج إلى أن يشعر بأن جهده مرئي، وأن إنجازه لم يمر دون ملاحظة، وأن ما يقدمه له أثر في المكان الذي يعمل فيه.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق التوقف عنده:
إذا كان الموظف يتقاضى راتبًا مقابل عمله، فهل تقديره مجرد مجاملة، أم أنه جزء من مسؤولية المؤسسة تجاه موظفيها؟
قد يرى البعض أن الموظف يتقاضى راتبًا مقابل أداء مهامه، وأن قيامه بعمله واجب لا يستدعي الشكر في كل مرة. وهذا صحيح من حيث الأصل؛ فالموظف مسؤول عن أداء واجباته، ولا ينبغي أن يصبح انتظار الثناء مبررًا للتقصير.
لكن هل جميع الموظفين يؤدون العمل بالطريقة نفسها؟
في بيئات العمل نجد من يكتفي بالحد الأدنى من متطلبات وظيفته، ونجد في المقابل موظفًا يبادر، ويتحمل مسؤوليات إضافية، ويبحث عن الحلول، ويحرص على جودة العمل، ويحقق نتائج تتجاوز المتوقع منه.
وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية:
هل من العدل أن نساوي بينهم في التقدير؟
التقدير لا يعني أن نكافئ الموظف لمجرد قيامه بواجبه، وإنما أن نرى الفرق في الأداء، وأن نعترف بالإنجاز عندما يستحق الاعتراف. فالعمل واجب، لكن الإتقان والمبادرة والتميز وصناعة الأثر أمور تستحق أن تُرى.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول التقدير إلى محاباة أو إلى كلمات توزع دون معيار؛ لأن ذلك قد يفقده قيمته ويخلق شعورًا بعدم العدالة بين الموظفين.
لذلك فإن التقدير المهني يحتاج إلى معايير واضحة تستند إلى الأداء والإنجاز والمبادرة وتحمل المسؤولية والالتزام وجودة النتائج.
وقد يكون التقدير كلمة شكر، أو إشادة بإنجاز أمام الفريق، أو نسب العمل إلى صاحبه، أو منحه فرصة للتطوير، أو تكليفه بمسؤولية أكبر، أو مكافأته عندما يستحق ذلك وفق معايير المؤسسة.
فالمهم ليس شكل التقدير بقدر ما يعنيه للموظف: أن ما قدمه لم يمر دون أن يراه أحد.
وهنا يأتي دور المؤسسة في بناء بيئة عمل واضحة وعادلة. وفي هذا السياق، أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية برنامج المحفزات الوظيفية للقطاع غير الربحي، ويتضمن عددًا من المحفزات الوظيفية، من بينها تقييم الأداء والدفع مقابله، إلى جانب تحسين بيئة وثقافة العمل، بما يسهم في دعم استبقاء الكفاءات وتحسين بيئة العمل في القطاع غير الربحي.
وهذا يوضح أن تقدير الأداء لا ينبغي أن يكون منفصلًا عن التقييم؛ فحين تعرف المؤسسة ما الذي تتوقعه من موظفيها، وتضع معايير واضحة، يصبح من الأسهل أن تميز بين أداء يؤدي المطلوب، وأداء يضيف قيمة حقيقية.
أما غياب التقدير، فقد لا يظهر أثره في اليوم الأول، لكنه قد يتراكم مع الوقت. فالموظف الذي يبادر ولا يجد من يلتفت إلى مبادراته، أو ينجز ولا ينسب إليه إنجازه، قد يختار في النهاية أن يؤدي ما هو مطلوب منه فقط، بدلًا من تقديم جهد إضافي لا يجد له صدى.
ومن هنا، فإن القضية ليست في أن نقول للموظف “شكرًا”على كل مهمة يؤديها، وليست في أن نساوي بين جميع الموظفين، وإنما في أن نؤسس داخل المؤسسة ثقافة ترى الإنجاز، وتفرق بين مستويات الأداء، وتمنح كل موظف ما يستحقه وفق معايير عادلة وواضحة.
فالموظف مسؤول عن عمله، والراتب مقابل أداء واجباته، لكن ذلك لا يلغي حاجة الإنسان إلى أن يشعر بأن جهده محل اهتمام، وأن إنجازه له قيمة، وأن المؤسسة ترى ما يقدمه.
قد لا تكلف كلمة “شكرًا” شيئًا، لكنها قد تصنع فرقًا كبيرًا في شعور الموظف بقيمة ما يقدم.
وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن تسأله كل مؤسسة لنفسها:
هل موظفونا يؤدون أعمالهم فقط، أم يشعرون أيضًا أن ما يقدمونه يُرى ويُقدّر؟
Mona_Alsabi@
