صادق الحرز
حين تُذكر الأحساء بوصفها إحدى المدن الإبداعية الفائزة برئاسة المدن المبدعة، وبدعم كبير واهتمام مميز وليس بغريب من محافظها المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن طلال بن بدر، فإن الحديث لا يقتصر على لقبٍ أو تصنيفٍ دولي فحسب، بل يمتد إلى تاريخ طويل من العمل والإنتاج والحرف التي شكّلت هوية المكان والإنسان عبر مئات السنين. فالأحساء التي عُرفت بواحاتها ونخيلها وأسواقها القديمة، احتضنت أيضًا أجيالًا من الحرفيين الذين صنعوا من المهنة رسالة، ومن الإبداع أسلوب حياة.
ومن بين تلك المهن التي ارتبطت بوجدان المجتمع الأحسائي، تأتي مهنة النجارة بوصفها إحدى الحرف الأصيلة التي ساهمت في بناء تفاصيل الحياة اليومية قديمًا، من صناعة الأبواب والنوافذ والصناديق الخشبية إلى الأدوات المنزلية والمجالس التراثية. ولعل ما يدعو للفخر والاعتزاز أن والدي – رحمه الله – كان حرفيًا متمكنًا وممارسًا لمهنة النجارة، وهي مهنة لم تكن مجرد عملٍ يدوي، بل مدرسة في الصبر والإتقان والالتزام بالقيمة الحقيقية للعمل.
هذا الإرث الشخصي يجعل الانتماء إلى الأحساء أكثر عمقًا، لأن الإنسان حين يرى والده أو أحد أفراد أسرته يمارس حرفة متوارثة بإخلاص، يدرك أن الإبداع الحقيقي يبدأ من اليد التي تعمل، ومن الحرفة التي تحفظ ذاكرة المجتمع. وقد تميز أبناء الأحساء عبر العقود بتوارث المهن الحرفية جيلاً بعد جيل، فكانت الحرف تنتقل من الآباء إلى الأبناء، حاملة معها الخبرة والهوية والخصوصية الثقافية.
واليوم، ومع حضور الأحساء في المشهد الثقافي والإبداعي، يتأكد أن هذا التميز لم يأتِ من فراغ، بل من بيئة غنية بالمبدعين والحرفيين الذين حافظوا على أصالة المهنة رغم تغير الأزمنة وتطور أساليب الحياة. فالنجار، والحايك، والخراز، وصانع الفخار، وغيرهم من أصحاب الحرف التقليدية، يمثلون جزءًا أصيلًا من قصة الأحساء الحضارية.
إن رئاسة الأحساء وتميزها في مجال المدن الإبداعية يُعد اعترافًا عالميًا بما تمتلكه من إرث ثقافي وإنساني كبير، كما يمثل مسؤولية للحفاظ على هذه المهن ودعم أصحابها وتعريف الأجيال الجديدة بقيمتها. فالحرف اليدوية ليست مجرد ماضٍ نحتفي به، بل مورد ثقافي واقتصادي يمكن أن يسهم في صناعة المستقبل إذا ما حظي بالاهتمام والرعاية.
لقد أثبتت الأحساء أن الإبداع لا يولد فقط في المؤسسات الحديثة، بل قد ينطلق من ورشة نجارة صغيرة، أو سوق شعبي قديم، أو يد حرفي بسيط يحمل في داخله عشق المهنة وصدق الانتماء. ومن هنا يبقى أبناء الأحساء مصدر فخر بما يحملونه من مهارة وإبداع متوارث، حافظ على هوية المكان، ومنح الأحساء مكانتها المستحقة بين المدن المبدعة.
SADIQALHIRZ@
