حصة الصفار 

في كل مرة يمر فيها العالم بمرحلة من عدم اليقين، يعود الذهب إلى الواجهة.

ليس لأنه مجرد معدن نفيس، بل لأنه أحد الأصول القليلة التي نجحت في الاحتفاظ بقيمتها عبر القرون. تتغير العملات، وتتعاقب الأزمات، وتنهض اقتصادات وتتراجع أخرى، لكن الذهب يظل حاضرًا في المشهد العالمي بوصفه ملاذًا آمنًا عندما تتزايد الأسئلة وتقل الإجابات.

اليوم، ونحن في منتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية. التوترات الجيوسياسية، وتغير السياسات النقدية، وارتفاع مستويات الدين العالمي، كلها عوامل أعادت الذهب إلى مركز الاهتمام لدى المستثمرين والبنوك المركزية والدول على حد سواء.

لكن ما يلفت الانتباه أن قصة الذهب لم تعد مجرد قصة أسعار ترتفع أو تنخفض، بل أصبحت قصة استراتيجية اقتصادية عالمية.

فوفقًا لبيانات مجلس الذهب العالمي، بلغ الطلب العالمي على الذهب خلال الربع الأول من عام 2026 نحو 1231 طنًا، مسجلًا أعلى قيمة فصلية في التاريخ بقيمة تجاوزت 193 مليار دولار. كما ارتفع الطلب الاستثماري على السبائك والعملات الذهبية بنسبة 42% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في إشارة واضحة إلى تنامي الإقبال العالمي على الذهب كأداة للتحوط وحفظ الثروة. (World Gold Council)

ولعل المؤشر الأكثر أهمية يتمثل في سلوك البنوك المركزية حول العالم.

فخلال الربع الأول من عام 2026 أضافت البنوك المركزية نحو 244 طنًا من الذهب إلى احتياطاتها، وهو مستوى يفوق متوسط السنوات الخمس الماضية. كما يتوقع مجلس الذهب العالمي أن تتراوح مشتريات البنوك المركزية خلال العام بين 700 و900 طن، استمرارًا لموجة الشراء الاستراتيجية التي يشهدها العالم منذ عدة سنوات. (World Gold Council)

هذه الأرقام لا تعكس مجرد توجه استثماري مؤقت، بل تعكس تحولًا أعمق في نظرة الدول إلى الذهب بوصفه أصلًا سياديًا يحافظ على القيمة ويعزز الاستقرار المالي في عالم تتزايد فيه التقلبات.

ولهذا السبب يرى العديد من الاقتصاديين العالميين أن الذهب سيواصل لعب دور محوري خلال السنوات القادمة.

فالتقديرات الدولية تشير إلى أن استمرار المخاطر الجيوسياسية، وتراجع الثقة النسبية في بعض العملات الرئيسية، واحتياجات التنويع لدى البنوك المركزية، ستبقي الطلب العالمي على الذهب عند مستويات مرتفعة. كما أن استطلاعات المؤسسات الدولية أظهرت أن ما يقارب 90% من البنوك المركزية تتوقع زيادة احتياطيات الذهب عالميًا خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، بينما يرى أكثر من 80% منها أن الذهب سيشكل حصة أكبر من الاحتياطيات العالمية خلال السنوات الخمس القادمة. (Reddit)

ورغم اختلاف التوقعات السعرية بين المؤسسات المالية، فإن أغلب السيناريوهات تتفق على أن الذهب سيظل أحد أكثر الأصول جاذبية في المحافظ الاستثمارية العالمية خلال الفترة المقبلة، خصوصًا في ظل استمرار الضبابية الاقتصادية العالمية. (World Gold Council)

لكن بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإن أهمية الذهب تتجاوز كونه فرصة استثمارية.

فهنا تبدأ قصة مختلفة.

لسنوات طويلة ارتبطت الثروة السعودية بالنفط، لكن رؤية المملكة 2030 أعادت تعريف مفهوم الثروة الوطنية. لم تعد الموارد الطبيعية تُقاس بمصدر واحد، بل بمنظومة متكاملة من القطاعات القادرة على صناعة النمو المستدام.

ومن بين هذه القطاعات يبرز التعدين بوصفه أحد أهم الرهانات الاقتصادية المستقبلية.

تمتلك المملكة ثروات معدنية ضخمة تقدر بتريليونات الدولارات، ويأتي الذهب ضمن أهم الموارد التي يجري تطويرها واستثمارها. ومع التوسع في أعمال الاستكشاف والتنقيب، وتطوير التشريعات التعدينية، وجذب الاستثمارات المحلية والعالمية، يتحول قطاع التعدين تدريجيًا إلى أحد أعمدة الاقتصاد الوطني المستقبلية.

ما يحدث اليوم لا يتعلق فقط باستخراج الذهب من باطن الأرض، بل ببناء صناعة متكاملة تبدأ من الاستكشاف، مرورًا بالتعدين والتكرير، وصولًا إلى الصناعات التحويلية وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية المرتبطة بهذا القطاع.

وهذا ما يجعل الذهب بالنسبة للمملكة فرصة اقتصادية تتجاوز قيمته السوقية.

فكل منجم جديد، وكل استثمار جديد في التعدين، يمثل خطوة إضافية نحو اقتصاد أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على النفط وأكثر قدرة على المنافسة عالميًا.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين مستقبل الذهب ومستقبل الاقتصاد السعودي.

فالعالم ينظر إلى الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا.

أما المملكة العربية السعودية فتنظر إليه باعتباره فرصة تنموية وصناعية واستثمارية متكاملة.

وفي اعتقادي أن السنوات القادمة لن تكون مجرد مرحلة ارتفاع أو انخفاض في أسعار الذهب، بل ستكون مرحلة إعادة رسم لدور الذهب في الاقتصاد العالمي. والدول التي استثمرت مبكرًا في بناء منظومات التعدين والصناعات المرتبطة به ستكون الأكثر قدرة على الاستفادة من هذه التحولات.

ولعل المملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من رؤية واضحة وإمكانات طبيعية واستثمارات استراتيجية، تبدو اليوم في موقع يؤهلها لتكون أحد أبرز المستفيدين من العصر الذهبي الجديد للمعادن.

فإذا كان الذهب قد حافظ على بريقه عبر التاريخ، فإن السؤال الحقيقي ليس هل سيبقى الذهب مهمًا؟

بل من هي الدول التي ستنجح في تحويل هذا البريق إلى قيمة اقتصادية مستدامة؟

والمملكة تبدو اليوم من أكثر الدول استعدادًا للإجابة عن هذا السؤال.

AlsaffarHissah@