عصام البقشي
هو ليس ذلك الصوت العالي الذي يعلن “أنا أعلم”،
بل ذاك الهمس الناعم الذي يقنعك أنك لم تعد بحاجة أن تتعلم.
هو حالة امتلاء…
تشبه كوبًا مملوءًا حتى الحافة،
أي قطرة جديدة فيه تُعتبر “إزعاجًا” لا “إضافة”.
نقع فيه حين نقرأ كثيرًا،
أو نُصفّق لأنفسنا بعد فكرة لامعة،
أو حين يتحول الرأي إلى هوية،
فنحميه…
لا لأنه صواب، بل لأنه “نحن”.
الغريب أن المعرفة نفسها،
التي جاءت لتوسّعنا،
قد تتحول إلى جدارٍ يضيّقنا.
حين أشعر انا ببدايات هذا الانتفاخ الصامت،
أهرب.
ليس إلى كتاب جديد،
ولا إلى نقاشٍ أخرج منه منتصرًا،
بل إلى مكانٍ لا يجادلني…
إلى النخل (المزرعة).
أمشي بين تلك الكائنات الطويلة،
“الأثايل- النخيل المعمرة) التي عاشت أكثر مما قرأت،
ورأت من الفصول ما لم أره من الأفكار.
أقف تحت نخلة،
أرفع رأسي لها،
فأشعر أن كل ما في داخلي… قصير.
نعم،
انها نخلةٌ لا تتكلم،
لكنها تُمارس حكمة صامتة..
تعطي… دون استعراض.
تصمد… دون شكوى.
تكبر… دون أن تتعالى.
جذعها مجعد،
كأن الزمن مرّ عليه ووقّع اسمه،
وسَعفها منفوش،
و كأنها تقول يقول الاتساع لا يعني التكبر.
لا تهتم أن تُعجبك،
ولا تحاول إقناعك بشيء،
ومع ذلك…
تُقنعك بكل شيء.
هناك،
ينكسر شيء خفي في داخلي.
أدرك أن المعرفة التي لا تُثمر تواضعًا،
تشبه نخلة بلا تمر…
طولٌ بلا جدوى.
و أن العقل،
إن لم ينحنِ قليلًا،
لن يرى ما على الأرض.
الغرور المعرفي لا يُعالج بمعلومة جديدة،
بل بتجربة تُعيدك إلى حجمك الحقيقي.
والطبيعة…
أجمل معلم في الحياة،
وأصدق مرآة لا تجامل بنفاق.
أيها_النخلة…
ما أعظمك،
وما أهدأ دروسك.
Hasawi1166@
