عصام البقشي 

منذ أن وعى الانسان نفسه،
و هو يحلم بمدينة لا ظلم فيها،
لا جوع، لا حروب، لا خوف،
مدينة تشبه رغبة البشر أكثر مما تشبه واقعهم.

مدينة إذا نام فيها الفقير، لا يخشى الغد،
و إذا تكلم فيها المختلف، لا يخاف السيف،
و إذا كبر فيها الانسان، لم يتحول الى ذئب يبحث عن فريسة أصغر منه.

هذه الفكرة القديمة جدا سميت لاحقاً بـ “اليوتوبيا”،
و هي كلمة تعني في أحد وجوهها:
( المكان الذي لا وجود له ).

و ربما هنا تكمن المفارقة العجيبة كلها.

“فالمدينة الفاضلة” ليست مدينة حقيقية بقدر ما هي مرآة يرى البشر فيها نقص عالمهم.

حين كتب “افلاطون” جمهوريته،
كان يحلم بمدينة يحكمها الحكماء،
مدينة ينتصر فيها العقل على الشهوة،
و النظام على الفوضى.

و لاحقاً جاء “توماس مور” و كتب كتابه الشهير “يوتوبيا”،
فرسم جزيرة مثالية يعيش أهلها بالمساواة و العدالة و تقاسم الثروة.

ثم توالت الأحلام بأشكال كثيرة،
مرة عند الفلاسفة،
و مرة عند الثوريين،
و مرة عند رجال الدين،
و مرة عند الشعراء .

حتى هنا في مشرقنا فلم يكن بعيداً عن هذا الحلم.
فالمدينة الفاضلة حضرت عند ” الفارابي”بشكل واضح،
حين تخيل مجتمعاً يقوده العقل و الفضيلة و المعرفة،
و تكون فيه سعادة الانسان هي الغاية الكبرى.

لكن المشكلة القديمة التي لم يستطع أحد حلها هي…
هل المشكلة في شكل المدينة،
أم في طبيعة سكانها؟

فالإنسان يحمل داخله تناقضاً ضخماً.
يبني الحضارات بيد،
و يشعل الحروب بالأخرى.

يطالب بالعدالة حين يكون مظلوماً،
و قد يبرر الظلم حين يصبح قوياً.

يحب الحرية لنفسه،
لكنه يعارضها للآخرين.

لهذا فكل “مدينة فاضلة” تصطدم عاجلاً أو آجلاً بالطبيعة البشرية،
لا لأن الفكرة سيئة،
بل لأن الانسان ليس كائناً مثالياً.

و ربما لهذا السبب تحولت كثير من المشاريع الحالمة عبر التاريخ الى نسخ مخيفة من القمع.

فبعض الأنظمة حين حاولت صناعة “الانسان المثالي”،
انتهى بها الأمر الى صناعة سجون مثالية أيضاً.

لأن (فرض الفضيلة بالقوة)،
يفسد الفضيلة نفسها.

و لأن البشر ليسوا نسخاً متطابقة تخرج من آلة واحدة.

هنا تقع اليوتوبيا بين ضفتين:
بين جمال الفكرة،
و خشونة الواقع.

فالكتابة تستطيع أن ترسم مدينة بلا أخطاء،
لكن التطبيق يصطدم بالجشع،
و الغيرة،
و الصراع،
و اختلاف البشر في فهم الخير نفسه.

ما يراه أحدهم عدلاً،
قد يراه آخر قيداً.

و ما يراه شخص حرية،
قد يراه غيره فوضى و تحلل.

لذلك ربما لا تكون المدينة الفاضلة مكاناً يمكن الوصول اليه بالكامل،
بل اتجاهاً نسير نحوه.

هذه المدينة مثل حلم بعيد في اعماق عقولنا،
لا نملك واقع تحقيقه ،
لكن وجوده يمنع بقية احلامنا من الضياع.

فاليوتوبيا ليست مشروعاً هندسياً بقدر ما هي بوصلة أخلاقية.

هي الحلم الذي يجعل الانسان يحاول أن يكون أقل قسوة،
و أقل وحشية،
و أكثر قدرة على التعايش مع الآخرين.

أما الوصول للكمال الكامل،
فربما تلك معركة لم تُخلق البشرية لتنتصر فيها.

وربما هذا أجمل ما في الامر كله.

فلو أصبحت المدينة كاملة تماما،
قد يفقد الانسان شغفه بالسعي،
و يتحول العالم الى لوحة ثابتة بلا روح،
جميلة جداً…
لكنها ميتة كتمثال رخامي جميل جداً ،
لكن لا حياة فيه.

Hasawi1166@