زكي الجوهر

من الموانئ العملاقة إلى الممرات البرية والقارية.. كيف تبني الصين شبكة لوجستية تربط آسيا بالشرق الأوسط وأفريقيا والعالم؟

في اليوم الخامس من برنامج «تنين الشرق: الصين من الداخل»، تنتقل الرحلة إلى مبادرة الحزام والطريق، أحد أبرز المشاريع الاقتصادية واللوجستية في العصر الحديث، والتي تسعى إلى تعزيز الترابط التجاري عبر الموانئ والسكك الحديدية والطرق والمناطق اللوجستية والممرات التجارية.

ولا تقتصر أهمية المبادرة على البنية التحتية، بل تمتد إلى إعادة تشكيل حركة السلع والطاقة والخدمات بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وربط مناطق الإنتاج بالأسواق العالمية بكفاءة وسرعة أكبر.

الصين.. تجارة تتجاوز الحدود

تكشف الأرقام حجم القوة التجارية التي تقف خلف هذه المنظومة؛ ففي عام 2025 بلغ إجمالي تجارة الصين من السلع 45.47 تريليون يوان، بزيادة 3.8%، منها 26.99 تريليون يوان صادرات و18.48 تريليون يوان واردات. كما بلغت تجارة الصين مع شركاء الحزام والطريق 23.6 تريليون يوان، بنمو 6.3%، لتشكل 51.9% من إجمالي التجارة الخارجية الصينية. (State Council of China⁠)

وهذه الأرقام تؤكد أن المبادرة لم تعد مجرد مشروع بنية تحتية، بل أصبحت جزءًا مؤثرًا في شبكة التجارة العالمية، تمنح الشركات والدول مسارات متعددة لنقل البضائع، بحرًا وبرًا وعبر النقل متعدد الوسائط.

الممرات البرية والبحرية

تمثل الممرات البرية والبحرية أحد أهم عناصر هذه المنظومة. فقد تعامل الممر التجاري البري-البحري الدولي الجديد في الصين خلال 2025 مع نحو 1.425 مليون حاوية مكافئة لعشرين قدمًا (TEU)، بزيادة 47.6%، فيما ارتفع عدد مسارات القطارات المنتظمة إلى 44 مسارًا. (State Council of China⁠)

ويعكس ذلك تحول «طريق الحرير» إلى شبكة حديثة تجمع القطارات والموانئ والسفن والطرق والمناطق اللوجستية.

أما الموانئ، فأصبحت بوابات رئيسية للتجارة الصينية، ونقاط اتصال بين المصانع والمناطق الصناعية ومراكز التوزيع والأسواق الدولية. ومع وصول التجارة الخارجية الصينية في 2025 إلى نحو 6.48 تريليون دولار، تتضح أهمية كفاءة سلسلة الإمداد من المصنع إلى المستهلك. (State Council of China⁠)

الشرق الأوسط.. حلقة وصل استراتيجية

في قلب هذه الخريطة يبرز الشرق الأوسط، بفضل موقعه بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. وتملك السعودية فرصة مهمة لتحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة اقتصادية، مستفيدة من رؤية السعودية 2030 التي تضع النقل والخدمات اللوجستية ضمن محاور تنويع الاقتصاد وتعزيز مكانة المملكة كمركز عالمي يربط ثلاث قارات.

وتؤكد بيانات الهيئة العامة للإحصاء عمق العلاقة التجارية مع الصين؛ ففي الربع الثاني من 2025 كانت الصين الشريك التجاري الرئيس للمملكة، مستحوذة على 14.2% من إجمالي صادراتها و27.4% من إجمالي وارداتها. كما ارتفعت الصادرات غير النفطية السعودية، بما فيها إعادة التصدير، بنسبة 17.8% خلال الربع نفسه. (General Authority for Statistics⁠)

السعودية والصين.. شراكة تتجاوز التجارة

تتجاوز الشراكة السعودية-الصينية التجارة التقليدية إلى فرص أوسع في النقل والخدمات اللوجستية والصناعة والطاقة والتقنية والاستثمار.

فالمملكة تمتلك الموقع والموانئ والبنية التحتية المتطورة، بينما تمتلك الصين خبرة واسعة في الموانئ والممرات التجارية وسلاسل الإمداد والنقل متعدد الوسائط. ومن هنا يمكن أن تتحول العلاقة إلى شراكة أوسع في بناء شبكات ومراكز لوجستية تخدم أسواقًا تمتد من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا.

ومن هنا تكشف تجربة الحزام والطريق أن المنافسة الاقتصادية الحديثة لا تقوم فقط على من ينتج أكثر، بل على من يستطيع نقل البضائع أسرع، وخفض التكلفة، وربط الأسواق بكفاءة.

ومع اتساع هذه الشبكة، يبرز الشرق الأوسط، وفي القلب منه المملكة العربية السعودية، كمحور استراتيجي يربط الشرق بالغرب وآسيا بأوروبا وأفريقيا.

«تنين الشرق» ليس رحلة لاكتشاف الصين فقط، بل رحلة لفهم كيف تتغير خريطة التجارة العالمية، وكيف أصبحت اللوجستيات وسلاسل الإمداد جزءًا أساسيًا من القوة الاقتصادية للدول.

Jouharza@