حصة الصفار

في مشهدٍ يجمع بين أصالة الجذور واتساع الأفق، تكتب الأحساء فصلًا جديدًا في سجلها الحضاري، بعد فوزها برئاسة شبكة المدن الإبداعية في مجال الحرف اليدوية والفنون الشعبية، التابعة لـ اليونسكو. إنّه إنجاز لا يُقرأ كخبر، بل يُفهم كتحوّل؛ من مدينةٍ تحفظ التراث، إلى مدينةٍ تقوده عالميًا.

الأحساء ليست مجرد جغرافيا، بل ذاكرة حيّة تنسجها الأيادي قبل الكلمات. في تفاصيل السدو، في خيوط الخوص، في ملامس الطين، تختبئ حكايات أجيالٍ صنعت من البساطة جمالًا، ومن الحاجة فنًا. هذه الحِرف لم تكن يومًا نشاطًا هامشيًا، بل كانت — ولا تزال — تعبيرًا عميقًا عن هوية مجتمعٍ يرى في العمل اليدوي امتدادًا للروح. وهنا تحديدًا، تكمن فرادة الأحساء: أنها لا تعرض تراثها، بل تعيشه.

ضمن شبكة المدن الإبداعية، تتجاوز مكانة الأحساء حدود التمثيل، لتصل إلى التأثير. فالرئاسة تعني قيادة الحوار بين مدنٍ تؤمن بأن الإبداع ليس ترفًا ثقافيًا، بل ركيزة تنموية. وتعني أيضًا نقل التجربة المحلية إلى منصة عالمية، حيث تتحول الحِرفة إلى لغة مشتركة، قادرة على بناء جسورٍ من الفهم والتبادل.

هذا الإنجاز لم يأتِ بمعزل عن دعمٍ قياديٍ واعٍ، تجسّد في اهتمام الأمير سعود بن طلال بن بدر، الذي أسهم في تعزيز حضور الأحساء كوجهة ثقافية عالمية. كما يتناغم هذا التوجه مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي وضعت الثقافة والإبداع في قلب التحول الوطني، باعتبارهما مصدرًا للقيمة الاقتصادية والهوية الحضارية في آنٍ واحد.

ومع هذا التقدّم، لا تقف الأحساء عند حدود الاعتراف، بل تفتح آفاقًا جديدة: تمكين الحرفيين، تطوير الصناعات الإبداعية، جذب السياحة الثقافية، وبناء شراكات مع مدنٍ حول العالم تشترك في الإيمان بأن الإبداع قوة ناعمة تُعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع.

لكن، بعيدًا عن الأرقام والمناصب، تبقى القصة الأصدق في التفاصيل الصغيرة:
في يدٍ تُجدّل الخوص بصبر،
في نقشٍ يُحكى على الطين،
في روح مدينةٍ قررت أن تكون كما هي… وتصل.

هنا تتجلّى الأحساء كما ينبغي أن تُرى:
ليست فقط واحةً للنخيل، بل واحةً للمعنى.
لم تصل لأنها بحثت عن الضوء،
بل لأنها كانت — منذ البداية — مصدره.

AlsaffarHissah@