زكي الجوهر
لم تعد الجمعيات الأهلية تُقاس بعدد برامجها أو حجم إنفاقها فحسب، بل أصبحت تُقاس بقدرتها على استثمار الخبرات والكفاءات وتحويلها إلى قيمة مضافة تُسهم في رفع جودة الأداء وتعزيز الأثر المجتمعي. فالمعرفة والخبرة اليوم تمثلان أحد أهم الأصول غير الملموسة التي تصنع الفارق بين جمعية تكتفي بالإنجاز الآني، وأخرى تبني مستقبلًا مؤسسيًا مستدامًا.
وتشير ورقة علمية أعدها المستشار زياد بن محمد العمري، خبير الحوكمة والابتكار والتخطيط الاستراتيجي، إلى أن تعامل الجمعيات مع أصحاب الخبرات يمكن تصنيفه إلى ستة أنماط رئيسية، يختلف كل منها في آلية الاستفادة من الخبراء والنتائج التي يحققها.
ويأتي الاستقطاب الدائم للخبراء في مقدمة هذه الأنماط، حيث تنظر الجمعية إلى الخبير بوصفه شريكًا استراتيجيًا ضمن بنيتها المؤسسية، بما يحقق تراكمًا معرفيًا واستقرارًا في الأداء ويعزز التطوير المستمر.
أما التعاقد لتنفيذ المشاريع فيركز على الاستفادة من الخبرة لإنجاز مخرجات محددة، مثل إعداد الدراسات واللوائح وتصميم البرامج، وهو أسلوب يمنح الجمعيات جودة في التنفيذ وكفاءة في إدارة الوقت والموارد.
وفي جانب آخر، تمثل الاستشارات أداة مهمة لدعم القيادات في اتخاذ القرارات، وتقليل المخاطر، والاستفادة من أفضل الممارسات، بما يسهم في اختصار سنوات من التجربة والخطأ ورفع جودة العمل المؤسسي.
كما يبرز التطوع بالخبرات باعتباره نموذجًا يعزز المسؤولية المجتمعية، حيث يقدم الخبراء معارفهم وتجاربهم لخدمة رسالة الجمعية، مما يضاعف الأثر الاجتماعي ويحقق قيمة كبيرة بتكاليف محدودة.
وتتجه بعض الجمعيات إلى نمذجة الخبرات عبر تحويل المعرفة الضمنية لدى الخبراء إلى أدلة عمل وإجراءات تشغيلية وأنظمة حوكمة، وهو ما يحافظ على المعرفة داخل المؤسسة ويضمن استدامتها حتى بعد مغادرة أصحاب الخبرات.
أما النموذج السادس، فيتمثل في استنطاق الخبراء من خلال جلسات الحوار والعصف الذهني لاستخراج الأفكار الإبداعية والرؤى غير التقليدية، بما يمنح الجمعية ميزة تنافسية ويفتح أمامها آفاقًا جديدة للابتكار.
ويرى المختصون أن الجمعيات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تعتمد على أسلوب واحد، بل التي توظف هذه النماذج بصورة تكاملية؛ فتستقطب الخبرات، وتستشيرها، وتستفيد منها في التطوع، وتوثق معارفها، وتستخرج أفكارها، لتتحول الخبرة من جهد فردي إلى أصل مؤسسي دائم.
وفي ظل مستهدفات رؤية المملكة 2030، يزداد دور القطاع غير الربحي في التنمية الوطنية، الأمر الذي يجعل الاستثمار في العقول والخبرات أحد أهم عوامل نجاح الجمعيات واستدامة أثرها، وبناء مؤسسات أكثر كفاءة وابتكارًا وقدرة على خدمة المجتمع.
Jouharza@
