عصام البقشي
منذ اللحظة الأولى في حياة الإنسان،
يبدأ في تكوين هوياته.
هويات كثيرة تنمو معنا وتكبر بداخلنا،
تتشابك وتتقاطع،
وقد تتنافر أحيانًا.
هوية الأسرة،
وهوية المكان،
وهوية اللغة،
وهوية الفكر،
وهوية الدين،
هوية المذهب،
وكل واحدة منها تضيف لونًا إلى لوحة الإنسان المعقدة.
نعتز بهذه الهويات ونفتخر بها،
فهي تمنحنا شعور الانتماء،
وتجعل الإنسان أقل تيهًا في هذا العالم الواسع.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الهوية من نافذة نرى بها العالم،
إلى جدار نعزل أنفسنا خلفه.
في كتاب “الهويات القاتلة*,
يطرح الدكتور امين معلوف تساؤلات عميقة حول الهوية الفردية والجماعية،
وكيف يمكن لهوية دينية أو اجتماعية أو ثقافية أن تتحول من وسيلة تعريف بالإنسان إلى أداة صراع وإقصاء وتدمير له او للآخر.
فالهوية في أصلها ليست سكينًا،
لكن الإنسان قد يشحذها حتى تصبح خنجرًا.
حين يختزل الإنسان نفسه في هوية واحدة فقط،
فإنه يتحول تدريجيًا إلى كائن ضيق الرؤية،
يرى العالم بمعيار محدد..
“معي أو ضدي”.
وهنا تصبح الهوية قاتلة،
لا لأنها موجودة،
بل لأن التعصب لها ألغى إنسانية الإنسان،
وحوّل الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى معركة دائمة.
لا أحد يعيش بلا هوية،
ولا يمكن اقتلاع الإنسان من جذوره،
لكن النضج الحقيقي هو أن نحمل هوياتنا بخفة الحكيم،
لا بثقل المحارب.
أن نفهم أن الهويات خيام نسكنها،
وليست سجونًا نغلق أبوابها علينا.
ومتى ما تحولت أي هوية إلى خنجر يطعن إنسانيتنا،
ويعطل حركتنا،
ويزرع الكراهية بيننا،
فعلينا أن نعيد فهمها وترتيبها،
قبل أن تتحول من وسيلة للتعارف،
إلى أداة للهدم والاقتتال.
Hasawi1166@
