منى الصبي

لكل مجتمع قصص يرويها الزمن، وقيم تحفظها الذاكرة، وفي الأحساء كانت حكاية الوفاء لكبار السن تستحق أن تتحول إلى عمل مؤسسي يلامس حياتهم، ويعزز مكانتهم، ويحفظ لهم ما يستحقونه من تقدير واهتمام.

من هذا المعنى انطلقت جمعية رُحماء لرعاية المسنين بالأحساء، بعد صدور الموافقة على تأسيسها بتاريخ 19/9/1441هـ، وتسجيلها في سجل الجمعيات الأهلية برقم (1606)، لتكون أول جمعية متخصصة في رعاية كبار السن على مستوى محافظة الأحساء.

لم تكن رحماء مجرد اسم لجمعية ناشئة، بل كانت تعبيرًا عن حاجة إنسانية عميقة؛ فالكبير في السن ليس مجرد مستفيد من خدمة، بل ذاكرة أسرة، وخبرة مجتمع، وشاهد رحلة طويلة من العطاء تستحق أن تُقابل بالبر والعرفان.

ومن هنا جاءت أهداف الجمعية واضحة في تقديم الرعاية المناسبة لكبار السن، وتوفير بيئة اجتماعية وثقافية وترفيهية ورياضية تسهم في تحسين جودة حياتهم، إلى جانب رفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية رعايتهم وطرق التعامل معهم، والعمل على الاستفادة من خبراتهم وقدراتهم وإشراكهم في المجتمع.

وحين تسعى رحماء إلى رعاية كبير السن وتحسين جودة حياته، فإنها لا تقدم خدمة عابرة فحسب، بل تسهم في منحه حياة أكثر راحة واستقرارًا وكرامة. فالعناية بكبير السن لا تعني فقط تلبية احتياجاته، بل تعني مساعدته على الحفاظ على استقلاليته وقدرته على ممارسة حياته اليومية بأفضل صورة ممكنة، والشعور بأنه ما زال حاضرًا في وجدان المجتمع ومؤثرًا في محيطه. ومن أسمى صور التقدير والعرفان أن يُحاط بالاهتمام الذي يليق بما قدمه من عطاء، وأن يعيش مرحلته العمرية بثقة وطمأنينة وجودة حياة تحفظ له مكانته وكرامته الإنسانية.

ولعل من أجمل الصور التي جسدت رسالة رحماء على أرض الواقع ما شهدته فعالية اليوم العالمي لكبار السن، التي دُشنت عام 2025 بدعم واهتمام صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن طلال بن بدر آل سعود محافظ الأحساء، وبحضور سعادة وكيل المحافظة الأستاذ معاذ بن إبراهيم الجعفري، تحت شعار “كبارنا عطاء ووفاء”.

ولم تكن تلك الفعالية مجرد مناسبة احتفالية، بل مشهدًا إنسانيًا اختصر معاني التقدير والاحترام، حيث التقت الأجيال تحت سقف واحد؛ من أطفال الروضة والطفولة المبكرة، إلى الشباب والأسر والمتطوعين وكبار السن أنفسهم، في لوحة مجتمعية جسدت قيمة العرفان لهذه الفئة الغالية.

كان المشهد أشبه بمدرسة مفتوحة؛ يرى فيها الصغار قيمة البر، ويستمع فيها الشباب إلى حكايات من سبقوهم، ويشعر فيها كبار السن أن حضورهم ما زال موضع تقدير واعتزاز. وهكذا تحولت المناسبة من فعالية موسمية إلى رسالة مجتمعية عميقة، تؤكد أن رعاية كبار السن ليست مسؤولية جهة واحدة، بل ثقافة مجتمع بأكمله.

إن قصة رحماء لا تُقاس بعدد البرامج أو المناسبات التي تنفذها، بل بالأثر الذي تتركه في حياة كبار السن وفي وعي المجتمع تجاههم. أثرٌ يعيد التذكير بأن خدمة كبار السن ليست مسؤولية جمعية فحسب، بل واجب أخلاقي وإنساني وصورة من صور البر التي تحفظ للمجتمعات أصالتها وإنسانيتها.

واليوم تواصل رحماء كتابة فصول هذه الحكاية من أرض الأحساء، حاملةً رسالة مفادها أن كبار السن ليسوا على هامش الحياة، بل في قلبها؛ وأن العناية بهم ليست تفضلًا، بل تقديرًا ووفاءً لمن منحوا أسرهم ومجتمعهم سنوات من الجهد والحكمة والعطاء.

Mona_Alsabi@