مي… طموح لا يكبحه الصمت
عزنا بطبعنا

منى الصبي

خلف هدوئها، وبين مساحات من الصمت، كانت تسكن روح لا تجيد الاستسلام.

مي امرأة هادئة، لكنها تحمل في داخلها طموحا أكبر من أن تحده الظروف. مرت بتجارب لم تكن جميعها سهلة، وواجهت تحديات أسرية وعملية، لكنها آمنت دائما بأن طريق النجاح لا يكون مستقيما وممهدا في كل مراحله، وأن بعض العثرات لا تأتي لتوقفنا، بل لتكشف لنا طريقا آخر ربما لم نكن نراه.

قصة مي ليست حكاية نجاح اكتملت فصولها، ولعل هنا تكمن قيمتها؛ فهي قصة إنسان ما يزال في الطريق، يتعثر أحيانا، ثم ينهض، يعيد ترتيب أولوياته، ويواصل السير بإيمان أكبر ونظرة أكثر نضجا.

وكان من المواقف التي اختبرت فيها مي نفسها أن انتهى عقدها في إحدى الجمعيات الأهلية، لتجد نفسها أمام مرحلة جديدة، تبحث فيها عن فرصة عمل أخرى. كان بإمكانها أن تجعل الحزن عنوانا لتلك المرحلة، وأن تستسلم لخيبة النهاية، لكنها اختارت أن تنظر إليها من زاوية مختلفة.

كانت تردد:

“يدبرها الله… سأكمل مسيرتي، وأواصل دراستي العليا، وأطور قدراتي، وسأجد بإذن الله المساحة التي أستطيع من خلالها أن أخدم وطني.”

لم تكن تلك الكلمات تجاهلا لصعوبة الواقع، بل كانت إيمانا بأن انتهاء مرحلة لا يعني انتهاء الطريق، وأن بعض النهايات قد تكون بداية لم نخطط لها، لكنها تقودنا إلى ما هو أوسع.

عادت مي إلى أهداف أجلتها، واقتربت أكثر من دراستها، وفتحت لنفسها أبوابا جديدة للتعلم والتطوير. أصبحت تنظر إلى كل يوم باعتباره فرصة لاكتساب معرفة، أو صقل مهارة، أو خوض تجربة تضيف إليها شيئا جديدا.

وأدركت أن العلم لا يرتبط بعمر، وأن التطور لا ينبغي أن يتوقف عند وظيفة أو منصب، وأن الإنسان ما دام قادرا على التعلم، فهو قادر على أن يبدأ من جديد.

وهنا تخرج حكاية مي من إطارها الشخصي لتلتقي بحكاية وطن.

ففي الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1932 أعلن توحيد البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، بعد مسيرة طويلة من البناء والتوحيد. واليوم تمتد مسيرة التنمية إلى الاستثمار في الإنسان، إذ تضع رؤية السعودية 2030 تنمية القدرات البشرية وتطوير المهارات والتعلم مدى الحياة ضمن مساراتها الرئيسة.

وبين البدايات الأولى ومسيرة الحاضر، بقيت قيمة العمل حاضرة.

لهذا كانت مي تقول لنفسها: إذا كان الوطن قد صنع مسيرته بالإرادة والعمل وتجاوز التحديات، فلماذا أجعل عثرة واحدة توقف مسيرتي؟

لقد أدركت أن الوفاء للوطن لا يكون بالكلمات وحدها، بل بأن يستثمر الإنسان ما لديه من معرفة وخبرة وقدرات، وأن يطور نفسه باستمرار، وأن يؤدي دوره بإتقان أينما كان. فالوطن يبنى بسواعد أبنائه وبناته، وبكل إنسان يتعلم، ويعمل، ويبادر، ثم ينهض من جديد حين تتعثر إحدى خطواته.

واليوم، مي ليست هي مي الأمس.

أصبحت أكثر نضجا، وأوسع تجربة، وأقدر على رؤية الفرص حتى في اللحظات التي تبدو فيها الأبواب موصدة. خاضت مجالات متعددة، وتعلمت من كل تجربة، وأصبحت تعرف أن قيمتها لا تتوقف عند وظيفة انتهت، ولا عند فرصة تأخرت.

وربما لم تصل بعد إلى المحطة التي تطمح إليها، لكن جمال حكايتها يكمن في أنها لم تتوقف في انتظارها.

فهي تؤمن أن النجاح ليس لحظة وصول واحدة، بل سلسلة من المحاولات والقرارات الصغيرة التي نصنع بها أنفسنا كل يوم؛ وأن الطموح الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج كي يثبت وجوده، فقد ينمو بهدوء، خلف جدران الصمت، حتى يأتي اليوم الذي تتحدث فيه الإنجازات عنه.

ومثلما بدأ الوطن خطواته الأولى ثم مضى في مسيرة البناء والطموح، تمضي مي في مسيرتها هي الأخرى، مستثمرة علمها وخبرتها وما بقي في داخلها من شغف بالعطاء.

فهذا أيضا شكل من أشكال الوفاء للوطن:

أن ننهض بعد العثرة، ونتعلم من التجربة، ونستثمر قدراتنا، ثم نمضي نحو القادم بإيمان وطموح.

لأن العطاء من طبعنا، والطموح لا يتوقف… وعزنا بطبعنا.

‏@Mona_Alsabi