عصام البقشي
في عالم تتزاحم فيه الأفكار، وتتسارع فيه المعلومة،
تصبح العقول ساحات معارك بين المفيد والعبث،
بين الوعي والتكدّس،
بين الفكرة الحيّة وبين الخرافة الميتة.
“الرأس المثلث”، كما تقول العبارة، هو استعارة عن العقل المنغلق، الذي صُنع بزوايا حادة لا تسمح بتداول الأفكار ولا تقبّلها.
عقل امتلأ بالشكل، لا بالمعنى. حُشي بمسلّمات لم تُختبر، وموروثات لم تُفكَّك، ومعلومات تراكمت بلا تمحيص.
مثل هذا العقل لا تليق به الأفكار المدورة، لأن المدار لا يستقر في الزوايا، بل يحتاج فسحة و اتساعًا لكي تدور فيها.
افكارنا او ما نستقبل من افكار تحتاج فضاءً كي تنمو.
كي نفكر و نتأمل يجب أن نُفرغ حيّزًا داخل أذهاننا.
أن نُوقف مؤقتًا الضجيج القادم من كل شيء، أن نُصفّي ذاكرتنا من الزوائد المعرفية، من التكرار الممل، من النفايات الفكرية التي يُعاد تدويرها كل يوم على هيئة “آراء” أو “حقائق”.
من المؤسف أن البعض يتعامل مع عقله كما يتعامل مع سلة المهملات !
كل ما يُقال يُخزَّن، كل ما يُتداول يُصدّق، كل ما يُساق يُستهلك.
وهكذا تمتلئ العقول بما لا ينفع، وتُغلق أبواب التفكير النقدي، ويُصبح التأمل عبئًا يرهقنا و يزعجنا.
اذا لنترك متّسعًا للفكرة.
لنُجرّب أن نستقبل الفكرة كضيفة،
نُرحّب بها، نتحاور معها، لا نُقيّدها بزوايا أذهاننا المغلقة.
لنجعل في رؤوسنا فسحة، نَفَسًا، تأنّيًا.
فالعقل ليس مستودعًا، بل حديقة.
ومتى ما امتلأ المستودع، تعفّن كل ما فيه و اصبح غير صالح للحياة.
أما الحديقة،
فهي لا تزهر الا في الهواء المفتوح،
لا تنمو إلا بالتقليم، و التشذيب، والتنظيف، والاهتمام.
تأمل و لا تكدّس.
استقبل و لا تُراكم.
اختر و لا تُسَلِّم.
من لا يترك مكانًا لتدوير الافكار،
لن يبني يومًا حضارة.
Hasawi1166@
