عصام البقشي

الطبينة، كما يسميها المزارع الأحسائي، هي عمليةُ حرقٍ لا هوائيٍّ لمخلّفات المزارع من أوراقٍ وأغصانٍ جافة.
تُجمع هذه المخلّفات في موضعٍ من المزرعة، ثم تُغطّى بالتربة الزراعية، وبعدها تُشعل وهي مغمورة بالتراب.

يستمر الاحتراق ليومٍ أو يومين، بلا لهبٍ ظاهر، وإنما بدخانٍ أبيض ذي رائحةٍ مميزة، ينتشر في أرجاء المكان، يتسع محيطه أو يضيق بحسب حجم الطبينة، ويستمر لأوقاتٍ متفاوتة.

ويُستفاد من بقايا الطبينة بعد اكتمال الاحتراق كسمادٍ عضوي؛ إذ يُخلط الرماد بالتربة الزراعية، فتُسمّد به أشجار النخيل وبقية الأشجار المثمرة، وتستعيد الأرض به شيئًا من خصوبتها وعافيتها.

كما يُستفاد من الدخان المتصاعد منها، حيث يسهم في تطهير أجواء المزرعة، والقضاء على بعض الحشرات الطائرة والزاحفة.

وقد توارث المزارع الأحسائي هذه العملية الفنية أبًا عن جد، وتوارث معه الإنسان الأحسائي عشقَ الرائحة المميزة لدخان الطبينة.

ومع الزمن، تحولت هذه الرائحة إلى ارتباطٍ عضوي بين ثلاثة عناصر:
الإنسان، والمكان، والزمان.

فلا تزال رائحة الطبينة تنبش في أعماقنا ذكرياتٍ بعيدة، وتوقظ حبًا تجذّر في خلايانا كما تتجذر جذور النخيل في تربة الأحساء.

ولذلك، ليس مستغربًا أن تجد من هاجر طويلًا بعيدًا عن الأحساء، ثم عاد لزيارة مسقط رأسه، يكون أول ما يطلبه:

«ودّوني أشم ريحة طبينة».

إنه الارتباط العميق بين الإنسان والأرض،
ذاكرةٌ تُشَمّ أكثر مما تُحكى.

وكلُّ طبينةٍ وأنتم بخير.

Hasawi1166@