محمد الجلواح 

ـ بَـدَأْتُ قراءة أول مطبوعة صحفية في منتصف عام 1389هـ، 1969م، حينما كنت أناهز العقد الثاني من العمر، وهي مجلة (النهضة) الكويتية التي كانت تصل إلى الأحساء يوم الخميس، ثم تلتها مجلة (العربي) الكويتية فجريدة (اليوم) فـ(البلاد) السعوديتان.

في ذلك الزمن الجميل كنت أحصل على 4 قروش من والدي يوم الأحد فقط لأن (سوق الأحد) يقام في قرية القارة، حيث نسكن، وفي نهاية الأسبوع أحصل على نصف ريال من الوالدة، فكان مصروفي في الأسبوع 14 قرشا فقط.

أذهب إلى مدينة (الهفوف)، التي تبعد عن القارة بنحو 18( كلم)، وأعود مجانا حيث أحاول أن ألتحق مع سائق يكون قد قرأ شيئا من القرآن الكريم على يد والدي فيأخذني (إكراما للقرآن، ثم لوالدي) في سيارته مجانا، (وهو في الحقيقة استغلال واضح، وأزعم أنه ذكي)..  

أذهب إلى سوق القيصرية لأشتري مجلة (النهضة) من الباعة الذين لديهم أعدادا قديمة بـنصف ريال ثم أعود، وأستعير مجلة (العربي) من أحد الأصدقاء الذين يعمل آباؤهم في (شركة أرامكو)، وبعد مدة زادت مصروفاتي فأصبَحَتْ الوالدة تعطيني (ريالا واحدا) في الأسبوع، وبقي الوالد على الـ 4 قروش.

ومع مرور الوقت واستمرار استغلال السائقين للذهاب والعودة من القارة إلى الهفوف وبالعكس مجانا.. بدأت أشتري مجلة (العربي) شهريا، ومجلة النهضة (أسبوعيا) حالما تصلان الأحساء، وليس من الأعداد القديمة، وأضفت عليهما شراء مجلة (مرآة الأمة) فـ(اليقظة)، فـ(صوت الخليج).. إلــخ، بالإضافة إلى الصحف المحلية أحيانا، وكذلك المجلات.

أما الصحف والمجلات السعودية فقد بدأت أقرأ مجلة (اليمامة) بعد أن تحولت من جريدة، ثم مجلة (قافلة الزيت) التي كنت أحصل عليها من أحد أقاربي العاملين في (أرامكو)، هذا غير الصحف والمجلات التي (أستعيرها) من بعض الأصدقاء، و(لا أعيدها إلا مادام صاحبها يلح على ذلك).
 ومن الذكريات الصحفية أيضا أنه مع وقت قصير في قراءة هذه المطبوعات تولدت لدي رغبة في التفاعل مع الصحفيين الذين أقرأ لهم، بمحاكاتهم والتواصل معهم بالمراسلة والزيارة،

وأذكر أن أول رسالة بعثتها إلى الصحافة كانت شكوى إلى مجلة (العربي) حول إطلاق أحد زملاء الدراسة على (فيلسوف الفريج)، ولأنني لم أكن أعرف معنى هذه الكلمة بعد.. فقد شكوت ذلك لمجلة (العربي) ظنا مني أنها كلمة سيئة، و(شتيمة)، وحسنا فَـعَـلَـت المجلة أنها لم ترد عليّ.

أما أول ما نُـشِـر لي:  فكان ردا جوابيا على عدد من الاستفسارات حول بعض الفنانين في مجلة (النهضة) الكويتية، وفي صفحة بريد الفن، وكنت أسأل فيها عن أصل وجنسية أبو بكر سالم، وفهد بلان وديانة كل من صباح وسميرة توفيق وفيروز، وهيام يونس، ونزار قباني، وكان الرد لطيفا ودبلوماسيا.

ثم توالت الكتابات والقراءات بأشكال مختلفة، ولكن أكثر ما أسعدني في الحقيقة هو أن أول قصيدة شعر نُـشِـرَتْ لي كانت في جريدة (اليوم) السعودية بعنوان: (أعشق رجل اسمه السلام)، وبعدها بأسبوعين نشرَتْ قصيدة: (امرأة من زُحَل) في الجريدة نفسها. فتوالت الكتابات في الصحف المحلية والخليجية والعربية حتى اللحظة.

أما أظرف وأعنف وأكثر لقب ساخر حصلت عليه من الصحف فكان اللقب الذي أطلقه عَلَيّ الزميل الصديق عبد الرؤوف الغزال في قصة ذات موقف سلبي حصل مني، وهو عدم السماح له ولمرافقيه القادمين من الدمام والهفوف بالدخول في إحدى مسرحيات (نادي الجبل بالقارة) فخرج في اليوم التالي في جريدة (اليوم) بهذا العنوان الكبير:

“شكسبير القارة.. يَصُدٌّ رجال المسرح عن دخول المسرح!”، كان ذلك عام 1399هـ، 1979 م.

واليوم وبعد مرور أكثر من 50 عاما على هذا الأمر ما زلت أشعر باللهفة والحنين والحب نفسه لتلك المطبوعات الجميلة، واشم صفحاتها وأستنشق حِـبرها، وألوانها، وأستطيع أن أقول بكل ثقة واطمئنان أن لكل زمان نكهته وأجواءه وصوره ..

ورغم ما نحن فيه من ثورة إعلامية وفضائية ..فما زلت أكرر بيت الشاعر الكبير أحمد شوقي:

 

          لكل زمان مضى آيةٌ                                                                 وآية هذا الزمان الصحف

 

ـ أما (اليوم العالمي للصحافة) فقد كتبتُ فيه هذه الرباعية الشعرية، ضمن رباعيات الأيام العالمية لليونسكو حواها (ديوان اليونسكو)  في 60 رباعية شعرية:

 

لا يصلح الرأي إن كانت (صحافته)                   تشكو الخناقَ، وجور الجهل والظُّـلَمِ

الرأي في صفحة الأحرار ترفعه                       حرية دونما قيدٍ، ولا تُـهَـمِ

فهي التي تجعل المكتوب منكشفا                          وتبسط الحق مبثوثا على الأمم

قد قيل ذاك بهذا (اليوم) فاستبقت                        كل الصحائف تبدي رقصة القلمِ!

mtaljelwah@