أمير بوخمسين

في مشهدٍ يليق بتاريخها العريق، تتقدّم الأحساء لتتبوأ صدارة المدن المُبدعة في تجمع الحِرف اليدوية والفنون الشعبية ضمن شبكة المدن المبدعة التابعة لليونسكو والبالغ عددهم أربع وثمانون مدينة على مستوى العالم، مؤكدةً أن الإبداع فيها ليس طارئًا، بل هو امتدادٌ طبيعي لذاكرةٍ ضاربةٍ في عمق الزمن، وروحٍ إنسانيةٍ صنعت من البساطة فنًا، ومن البيئة هوية.
لم يكن هذا الإنجاز الذي تحقق تحت مظلة اليونسكو محض مصادفة، بل نتيجة عملٍ متواصلٍ قاده إنسان الأحساء، الذي لم يكن مجرد ساكنٍ للمكان، بل صانعًا لملامحه، وحارسًا لتراثه، ومجددًا لروحه. فالأحساء، التي تضم أكثر من 3 ملايين نخلة، وتُعد من أكبر الواحات الزراعية في العالم، تمثل نموذجًا حيًا للتوازن بين الإنسان والطبيعة، حيث تحوّلت الزراعة إلى ثقافة، والنخلة إلى رمزٍ للحياة والعطاء.
وعلى امتداد تاريخها، أسهم الإنسان الأحسائي في بناء اقتصادٍ متنوع، إذ تشير التقديرات إلى أن قطاع الحرف اليدوية والصناعات التقليدية يضم مئات الحرفيين الذين يعملون في مجالات مثل السدو، والخوص، والفخار، وصناعة المنتجات النخيلية، وهي صناعات لم تندثر، بل أعيد إحياؤها وتطويرها لتواكب الأسواق الحديثة. كما تشهد الأسواق الشعبية في الأحساء، مثل القيصرية، حركة نشطة تعكس حيوية هذا التراث واستمراريته.
وفي المجال الثقافي، تحتضن الأحساء عشرات الفعاليات والمهرجانات السنوية التي تُعنى بالفنون الشعبية والتراث، ويشارك فيها آلاف من أبناء المنطقة، ما يعكس حضورًا مجتمعيًا قويًا في حفظ الهوية وتعزيزها. كما أسهمت المؤسسات التعليمية والثقافية في تخريج كوادر مبدعة في مجالات الأدب والفن والحِرف، مما جعل الإنسان الأحسائي عنصرًا فاعلًا في شبكة المدن المبدعة.
ولا يمكن إغفال دور الموقع الاستراتيجي للأحساء، الذي جعلها عبر التاريخ محطةً للتبادل التجاري والثقافي بين دول الخليج، مما أسهم في انفتاح إنسانها على تجارب متعددة، دون أن يفقد خصوصيته أو أصالته.
إن هذا التتويج العالمي لم يكن سوى انعكاسٍ لمنظومةٍ متكاملة: أرضٌ معطاءة، وتاريخٌ عريق، وإنسانٌ مبدع. فقد استطاع الأحسائي أن يحوّل الموارد البسيطة إلى منتجاتٍ ذات قيمة، وأن ينقل تراثه من جيلٍ إلى جيل، محافظًا على جوهره ومضيفًا إليه لمسة العصر.
وهكذا، تظل الأحساء درسًا حيًا في أن الإبداع لا يُقاس بالإمكانات المادية وحدها، بل بقدرة الإنسان على رؤية الجمال فيما حوله، وصناعته من تفاصيل حياته اليومية. إنها مدينةٌ كتب إنسانها قصتها بيديه، وزرعها في الأرض نخلا وفي العالم إبداعًا لا يُنسى.

Ameerbu501@