زكي الجوهر

في عصرٍ تتدفق فيه الأخبار والمؤثرات من كل اتجاه، يجد الإنسان نفسه محاصرًا يوميًا بسيلٍ من الأحداث والضغوط التي تتجاوز قدرته على الاستيعاب والسيطرة. وبين تقلبات الاقتصاد، وتصرفات الآخرين، وضجيج منصات التواصل الاجتماعي، تُستنزف طاقاتنا في محاولة تغيير أمور لا نملك، في الحقيقة، أي سلطة حقيقية عليها.

ومن هنا تبرز أهمية مفهوم «دائرة السيطرة» (Circle of Control)، بوصفه أحد أكثر المفاهيم النفسية فاعلية في حماية السلام الداخلي وإدارة الطاقة الذهنية بوعي. فهو يساعد الإنسان على توجيه انتباهه نحو ما يستطيع التأثير فيه فعلًا، بدل الانشغال بما هو خارج نطاق قدرته، مما يعزز الشعور بالاتزان ويخفف من التوتر الناتج عن محاولة التحكم في أمور لا يمكن تغييرها.

يقوم هذا المفهوم على التمييز بين نوعين من الأمور التي تحيط بنا؛ فهناك ما يقع داخل دائرة سيطرتنا، وهناك ما يقع خارجها. فداخل هذه الدائرة توجد أفكارنا ومعتقداتنا، وقراراتنا اليومية، ومستوى جهدنا والتزامنا، وطريقة استجابتنا للمواقف المختلفة، فضلًا عن أخطائنا الشخصية التي نستطيع التعلم منها وتصحيحها. وهذه هي المساحة التي تستحق أن نوجّه إليها اهتمامنا وطاقتنا، لأنها المجال الحقيقي الذي نملك القدرة على تطويره وتحسينه.

وفي المقابل، توجد أمور كثيرة تؤثر في حياتنا دون أن نملك السيطرة عليها، مثل تقلبات الاقتصاد والأسواق، ومرور الوقت وتغير الظروف، وتصرفات الآخرين وآرائهم، وأخطائهم ومعتقداتهم، والأخبار اليومية، وأحوال الطقس، ونظرة المجتمع أو تقييم الآخرين لنا. والانشغال المفرط بهذه الجوانب يشبه محاولة الإمساك بالريح؛ إذ يستهلك قدرًا كبيرًا من الجهد والطاقة دون أن يحقق نتائج حقيقية، ويقود في الغالب إلى القلق والتوتر والإحباط.

وتنبع أهمية هذا المفهوم من حقيقة أن جزءًا كبيرًا من معاناتنا النفسية لا ينتج عن الأحداث نفسها، بل عن محاولتنا المستمرة للسيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه. فعندما يتحول تركيز الإنسان إلى ما يملكه فعلًا من خيارات وقرارات واستجابات، يحقق قدرًا أكبر من السلام النفسي، لأنه يدرك أن مسؤوليته الحقيقية لا تتمثل في إصلاح العالم بأسره، بل في تحسين ذاته وإدارة سلوكه وطريقة تعامله مع الحياة.

كما ينعكس هذا التركيز إيجابًا على الإنتاجية والإنجاز، إذ تتحول الطاقة المهدرة في القلق والانفعال إلى عملٍ حقيقي وتطويرٍ مستمر للذات وتحقيقٍ للأهداف. ويمنح الإنسان كذلك مرونة أكبر في مواجهة الأزمات والتحديات، لأن قوته لا تكمن في التحكم بالظروف، بل في التحكم بطريقة استجابته لها.

إن سلامك النفسي يبدأ من وعيك بما يستحق طاقتك وما لا يستحقها. وحين تتوقف عن مطاردة كل ما هو خارج نطاق سيطرتك، فأنت لا تنسحب من الحياة، بل تتعامل معها بذكاء ونضج. ركّز على تطوير ذاتك، وإدارة أفكارك، وتحسين ردود أفعالك، واترك ما لا تملكه يسير في مساره الطبيعي؛ فبعض المعارك لم تُخلق لتخوضها، وبعض الأعباء ليست مسؤوليتك أصلًا. وعندما تدرك هذه الحقيقة وتعيش وفقها، ستجد أن راحة البال ليست حلمًا بعيدًا، بل نتيجة طبيعية لتركيزك على ما يمكنك التحكم فيه حقًا.

Jouharza@